أسْلوبُ الالتفات في القرْآن الكريم

مقدمة
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد, ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشداً, والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وبعد:فقد جعل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم معجزة رسوله الكبرى, والحجة الدائمة على الخلق,
أعجز بفصاحته البلغاء, وأبكمت بلاغته عدنان وقحطان, كتابٌ لا تفنى عجائبه, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا يشبعُ منه العلماء , من قال به صدق, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم, انبهر به الناس عربا وعجما , وأقبلوا على دراسته آناء الليل وأطراف النهار, فألفت في علومه المختلفة المؤلفات , فألف العلماء في إعجازه, وأمثاله, وتفسيره, وتشبيهاته, وناسخه ومنسوخه, ومحكمه ومتشابهه, وكل ذلك دليلٌ على إعجازه.
وكان الالتفات من المواضيع التي تناولها علماء اللغة في كتبهم , وأولوه مزيد اهتمام لما له من أهمية في البلاغة العربية عموما والبلاغة القرآنية خصوصا .وقد ألقيت الضوء في هذا البحث على دراسات طائفةٍ من علماء اللغة والنحو للالتفات في القرآن الكريم؛ وقد قسمت البحث إلى مبحثين: الأول في تعريف الالتفات وبيان أقسامه, والثاني في جهود أشهر اللغويين والنحاة في دراسة الالتفات في القرآن الكريم
المبحث الأول تعريف الالتفات وبيان أقسامهالمطلب الأول الالتفات في اللغة
الالتفات مأخوذ من الفعل " لفت" وهو يدلُ على اللي وصرف الشيء عن جهته المستقيمة, ومنه لفتُّ الشيء لويته؛ ولفتُّ فلانا عن رأيه صرفته, ولفتَ وجهه عن القوم صرفه, والتفت التفاتا والتلفت أكثر منه, وتلفّت إلى الشيء والتفت إليه: صرف وجهه إليه, والتفت عنه أعرض(ابن منظور: مادة لفت).
وجاء في الكتاب العزيز: { ولا يلتفت منكم أحدٌ إلا امرأتك } (هود/81) أمروا بترك الالتفات بوجوههم لئلا يروا عظيم ما نزل بالكافرين من العذاب.
وجاء كذلك قوله تعالى: { أجئتنا لتلفتنا عمّا وجدنا عليه آباءنا } (يونس/ 78) أي لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا من المعتقدات والأفعال.
وجاء في الحديث النبوي لفظ الالتفات بمعنى اللي والصرف – صرف الوجه يمنة ويسرة في الصلاة إلى جهة خارجها: فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة , فقال: (هو اختلاسٌ يختلسهُ الشيطان من صلاة العبد) (بدر الدين محمود: ج 5/ 310).
مما سبق نرى أنّ الالتفات بتراكيبه واستعمالاته المختلفة يدلُ على معنى الصرف واللي عن الجهة المستقيمة والطبيعية , وأكثر ذلك في الماديات, ثم أطلق بعد ذلك على الفن البلاغي المعروف كما سيأتي (خليفات:ص 4).
المطلب الثاني الالتفات في الاصطلاح
كثرت تعاريف الالتفات عند العلماء (خليفات: ص 4 – 5) وأشهر التعريفات هي:1. (أن يكون الشاعر في كلام فيعدل عنه إلى غيره قبل أن يتم الأول, ثم يعود إليه فيتمّه, فيكون فيما عدل إليه مبالغة في الأول وزيادة في حسنه) (البغدادي: ص 110) , وهذا هو تعريف لفن بلاغي آخر يسمّى " الاعتراض".
2. (التعبير عن المعنى بطريق من الطرق الثلاثة – أعني المتكلم والمخاطب والغيبة – بعد التعبير عنه بطريق آخر منها) (المدني: ج 1 / 362). والتعريف الثاني هو لجمهور العلماء أمثال أبو حيان التوحيدي (أبو حيان: ج1/ 24) , وابن أبي الإصبع المصري (المصري: ص 45), وبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي(الزركشي ج3 / 314-315), وبهاء الدين السبكي(السبكي ج1/ 463-464). وهذا هو التعريف المختار للالتفات لسببين اثنين؛ الأول: أنّه تعريف المتقدمين والمتأخرين من العلماء, والثاني: أنّه تعريفٌ جامعٌ مانعٌ
المطلب الثالث أقسام الالتفات
ينقسم الالتفات من الناحية العقلية إلى ستة أقسام هي:· الأول: الالتفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة.
· الثاني: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
· الثالث: الالتفات من التكلم إلى الخطاب.
· الرابع: الالتفات من الخطاب إلى التكلم.
· الخامس: الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
· السادس: الالتفات من التكلم إلى الغيبة.
وهذه الأقسام موجودة في الشعر العربي سواء كان شعرا إسلاميا أو شعرا جاهليا مع التفاوت بينهما من جهة الكثرة والقلة في الشعر عموما ستقدم أمثلة مختصرة من الشعر خلال الحديث عن جهود البلاغيين والنحاة في الالتفات القرآني. كما أن هذه الأقسام الستة للالتفات موجودة في القرآن الكريم على رأي جمهور العلماء ؛ إذ نفى الإمام السيوطي - رحمه الله - في "الإتقان " وجود الالتفات من الخطاب إلى التكلّم في القرآن (السيوطي: ج2/85).
ومن أمثلة الالتفات قوله تعالى: { الحمدُ للهِ ربِّ العالمين * الرحمن الرحيم * مالكِ يوم الدين* إيّاكَ نعبُدُ وإيّاك نسْتعين } (الفاتحة / 2- 5) حيثُ التفتَ من أسلوب الغيبة بقوله { الحمدُ للهِ ربِّ العالمين } إلى أسلوب الخطاب بقوله { إيّاكَ نعبُدُ وإيّاك نسْتعين } .
ومن أمثلة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: { هو الذي يُسيّركم في البرّ والبحر حتى إذا كنتمْ في الفلْكِ وجريْنَ بهم بريح طيّبةٍ وفرحوا بها جاءَتْهمْ ريحٌ عاصِفٌ } (يونس /22) حيث خاطبهم الله سبحانه بقوله: { كنتم } , وتغيّر الأسلوب إلى الغيبة { وجرين بهم } ولكل موضعٍ سره بل أسراره التي هي حريّة بالدراسة والتأمّل
المبحث الثاني جهود أشهر اللغويين والنحاة في دراسة الالتفات في القرآن الكريم
من المعروف أنّ الالتفات كأسلوبٍ بلاغي كان معروفا عند العرب في الجاهلية, ولكنه لم يكن يُعرف بهذا الاسم, ولعلَّ أول من أطلق عليه هذا الاسم (الأصمعي)(1) دون أن يذكر له تعريفا ؛ فقد روى العسكري قال: أخبرنا أبو محمدٍ قال: أخبرني محمد بن يحيى الصولي... قال: قال الأصمعي: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: لا, فما هي؟ قال:أتنسى إذ تواعدنا سُليْمى بعودِ بشامةٍ سقيَ البشامُ (2)
ألا تراه مقبلا على شعره... ثمّ التفت إلى البشام فدعا له. وقوله:
طربَ الحمامُ بذي الأراكِ فشاقني لا زلت في غللٍ وأيكٍ ناضرٍ(3)
فالتفت إلى الحمام فدعا له(4).
ولكن الالتفات كأسلوبٍ بياني قد ذكره بعض اللغويين في كتبهم قبل الأصمعي , من غير أن يسمّوه , وقد درسوه في كتبهم من خلال وروده في القرآن الكريم والأدب عموما , ومن هؤلاء: أبو عبيدة معْمَر بن المثنى في كتابه " مجاز القرآن" , والفراء في " معاني القرآن " , والأخفش الأوسط في " معاني القرآن " , والمبرد في " الكامل في اللغة والأدب " , وابن فارس في " فقه اللغة " , والعكبري في " التبيان في إعراب القرآن" و" إملاء ما منّ به الرحمن" , وابن قتيبة في " تأويل مشكل القرآن" , وهذا ما سيتناوله الباحث في الصفحات القادمة بإذن الله
الالتفات في مجاز القرآن
يعتبر أبو عبيدة (ت: 208هـ) من أوائل اللغويين الذين تحدّثوا عن الالتفات , وذكر له أمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي. (ولا تزال الأمثلة التي أشار إليها أبو عبيدة تتردد في كتب البلاغة إلى الآن) (5) , ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:{ حتى إذا كنتم في الفلكِ وجرينَ بهم بريحٍ طيّبةٍ) } يونس /22) التي اعتبرها أبو عبيدة " من مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد , ثم تركت وحوّلت إلى الغائب " (أبو عبيدة:1/11) , وكذلك قوله سبحانه وتعالى:
{ ثمّ ذهب إلى أهله يتمطى* أولى لك فأولى } (القيامة: 33-34) التي يمثل بها على أنها " من مجاز ما جاء خبره عن غائب , ثم خوطب الشاهد ". (أبو عبيدة:1/23- 24) .
وعند تعرض أبي عبيدة لتفسير سورة الفاتحة ذكر ما فيها من التفات مؤيدا ذلك بذكر أشعار ورد فيها هذا الأسلوب البلاغي ؛ وقال:" ومجاز جرِّ { مالكِ يوم الدين } أنه حدث عن مخاطبة غائبٍ , ثمّ رجع فخاطب شاهدا فقال: { إياك نعبدُ وإياك نستعين اهدنا } , قال عنترة بن شداد: (الكامل)
شطّتْ مزارُ العاشقينَ فأصبحتْ عَسِرا عليّ طربكِ ابنةَ مخرم (6)
ولما تعرض لقوله تعالى { ذلك الكتابُ } (البقرة /2) قال: " معناه هذا القرآن , وقد تخاطب العرب الشاهد فتظهر له مخاطبة الغائب , قال خفاف بن ندبة السلمي: (الطويل)
فإن تكُ رمحي قد أصيبَ جميعها فعمدا إلى عين تيمّمتُ مالكا
أقولُ له والرمحُ يأطرُ متنهُ تأمّل خفافا إنني أنا ذلكا " (7)
ونلاحظ أن أبا عبيدة لم يضع تعريفا للالتفات , وكان يسميه الترك أو التحويل أو الرجوع , كما أن أبا عبيدة لم يتعرض في " مجازه" للحديث عن كل أنواع الالتفات , لم يتطرق للالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير التكلم في القرآن الكريم أو العكس في أي موطن من المواطن , ولم يذكر شيئا عن الالتفات من ضمير الخطاب إلى ضمير التكلم في القرآن الكريم أو العكس.
ولم يشر أبو عبيدة من قريبٍ أو بعيد إلى أي سر من أشرار الالتفات في أي نوعٍ من أنواعه , ورغم كل ذلك فإنّ أبا عبيدة يُعتبر بحق من أوائل من أظهر أسلوب الالتفات في كتابٍ مُؤلف, وكان من بعده عالة عليه
الالتفات في  معاني القرآن  للفراء …
ذكر أبو زكريا الفراء (ت: 207هـ) في " معاني القرآن " الالتفات ,ولكنه لم يسمه بهذا الاسم , كما أنه لم يذكر له تعريفا محددا .
 وقد تأثر الفراء بأبي عبيدة في الأمثلة التي ذكرها للالتفات , غير أنه زاد عليها الكثير منه آيات القرآن الكريم ؛ فعند قوله تعالى:) قد كانَ لكمْ آية في فئتين التقتا فئةٌ تقاتلُ في سبيل الله وأخرى كافرةٌ يرونهم مثليهمْ رأي العين ((آل عمران/ 13) قال: " ومن قرأ) ترونهم (ذهب إلى اليهود لأنه خاطبهم , ومن قال) يرونهم (فعلى ذلك, كما قال) حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم (" (الفراء1/195) ويذكر ما في قوله تعالى من الالتفات:) كلا بل تحبّون العاجلة* وتذرون الآخرة((القيامة/ 20- 21) بقوله: "رويت عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -)بل تحبون وتذرون(بالتاء , وقرأها ابن كثير)بل يحبون (بالياء , والقرآن يأتي على أن يخاطب المنزل عليهم أحيانا , وحينا يجعلون كالغيب كقوله:
) حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبةٍ (" (الفراء3/211-212) ويبين الفراء القراءات في الآية , وتوجيه كل قراءة , مبينا معناها في كلٍ, كقوله تعالى:) لتركبنّ طبقا عنْ طبق } (الانشقاق /19) إذ قال: " وقرئتْ) ليركبنّ طبقا عنْ طبق (ومعانيهما معروفة , لتركبنّ كأنه خاطبهم , وليركبنّ كأنه أخبر عنهم " (الفراء 3/252, 1/54).
ويلاحظ على الفراء أنّه لم يتعرض إلا لنوعٍ واحدٍ من أنواع الالتفات وهو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب أو من الخطاب إلى الغيبة , كما أنه لم يبرز جمال الالتفات وبلاغته في كل موطن ورد فيه
الالتفات في  معاني القرآن  للأخفش الأوسط
تحدث أبو الحسن الأخفش (ت: 215 هـ) عن الالتفات في مواضع محددة من كتابه " معاني القرآن" , ولم يذكر له اسما , كما هو دأب من سبقه من النحاة واللغويين. فمن ذلك قوله: ") وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ( (البقرة/ 83), قم قال:) وقولوا للناس حُسنا } , ثم قال:)ثمّ توليتم إلا قليلاً(فلأنه كأنه خاطبهم من بعد ما تحدث عنهم" (الأخفش 1/129).والأخفش الأوسط يستشهد على أسلوب الالتفات بكثير من الشعر العربي, يقول بعد أن علّق على الآية السابقة:" وذا في الكلام والشعر كثير.
قال الشاعر: (الطويل)
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقليّة إنْ تقلّتِ(8)
وإنّما يريدُ إنْ تقليتِ , وقال الآخر: الكامل
شطّتْ مزارُ العاشقينَ فأصبحتْ عَسِرا عليّ طلابكِ ابنةَ مخرم(9)
إنما أراد: فأصبحت ابنة مخرم عسرا على طلابها , وجاز أن يجعل الكلام كأنه خاطبها , لأنه حين قال: شطت مزار العاشقين , كأنه قال: شططتِ مزار العاشقين , لأنه إياها يريد بهذا الكلام , ثم يقول: " ومثله (أي ومثل هذا الأسلوب) مما يخرج من أوله , قوله : (الرجز)
إن تميما خُلقت ملوما (10)
فأراد القبيلة بقوله (خُلقت) ثم قال (ملوما ) على الحي أو الرجل
(الفراء 1/130) , ثم قال:" وفي كتاب الله عز وجل:) حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم (فأخبر بلفظ الغائب , وقد كان في المخاطبة , لأنّ ذلك يدل على المعنى... وكذلك) الحمد لله رب العالمين (ثم قال:) إياك نعبد (لأنّ الذي أخبر عنه هو الذي خاطب " (الفراء 1/131-132) , وقال الله تبارك وتعالى:) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون } (الذاريات/14) فذكّر بعد التأنيث , كأنه أراد: هذا الأمر الذي كنتم تستعجلون. ومثله) فلما رأى الشمسَ بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت ((الأنعام / 78) , فيكون) هذا (على (الذي أرى ربي) أي هذا الشيء ربي (الأخفش الأوسط 1/ 132-133).
وأرى أن الأخفش قد خلط بين الالتفات وغيره من الأساليب البلاغية , ولعله في ذلك معذور؛ إذ لم يكن في عصره قد حصل هذا التحديد والتمييز للالتفات عن غيره من الأساليب البيانية. فقد أدخل التذكير في موضع التأنيث كما في الآيتين الأخيرتين في أسلوب الالتفات.
وكما رأينا من الأخفش , فقد تحدث وذكر آياتٍ كريمةٍ تحتوي على أسلوب الالتفات من ضمير الغيبة إلى الخطاب وبالعكس , كما ذكر أشعارا تدلُ على ذلك , وكنا نودّ أن يتحفنا الأخفش بالنكات البلاغية لأسلوب الالتفات في الآيات الكريمة أو حتى في الأشعار التي ذكرها , ولكنه لم يفعل. غير أنه يظلُ له فضل في إبراز أسلوب الالتفات كأسلوبٍ بياني معروفٍ في الكتاب العزيز وفي الشعر العربي
الالتفات في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة
تحدّث ابن قتيبة الدينوري (ت: 267 هـ) عن الالتفات في كتابه " تأويل مشكل القرآن " , وذلك في " باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه" حيث قال:" ومنه أن تخاطب الشاهد بشيءٍ , ثم تجعل الخطاب له على لفظ الغائب كقوله عز وجل:) حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم (, وقوله:) وما آتيتم من زكاةٍ تُريدونَ وجه اللهِ فأولئكَ هم المضعفون ((الروم/ 39) , وقوله: { ولكنّ الله حبّبَ إليكم الإيمان وزينهُ في قلوبكم (, ثم قال:) أولئكَ هم الراشدون(
(الحجرات /7) , قال الشاعر:
يا دار ميّةَ بالعلياءِ فالسند أقوتْ وطال عليها سالفُ الأمد
وكذلك أيضا تجعل خطابَ الغائب للشاهد , كقول الهذلي:
يا ويحَ نفسي كأنّ جدّةَ خالدٍ وبياضَ وجهكَ للترابِ الأعفر (11)
وترى أنّ ابن قتيبة لم يزد في الالتفات عمن سبقه سواء بذكر الأمثلة من القرآن الكريم أو من الشعر , ولم يأت لنا بجديد في ذلك , فلم يظهر شيئا من بلاغة هذا الأسلوب , أو يأتي بأمثلة جديدة عليه
الالتفات في الكامل للمبرد
وقد أورد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد (ت: 285هـ) في كتابه الالتفات تعقيبا وشرحا لشعر الأعشى إذ قال:
وأمتعني على العشا بوليدةٍ فأبْتُ بخيرٍ منك يا هوذَ حامدا
يقول المبرد: " فإنّه كان يتحدّثُ عنه , ثمّ أقبلَ عليه يخاطبه, ترك تلك المخاطبة , والعرب تتركُ مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد , ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب " (المبرد 3/ 22-23) قال الله عز وجل) حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ (كانت المخاطبة للأمة , ثم صرفت للنبي - صلى الله عليه وسلم - إخبارا عنهم.
قال عنترة: (الكامل)
شطّتْ مزارُ العاشقينَ فأصبحتْ عَسِرا عليّ طلابكِ ابنةَ مخرم
فكان يتحدث عنها , ثم خاطبها , ومثل ذلك قول جرير:
وترى العواذلَ يبتدرنَ ملامتي فإذا أردتُ سوى هواكِ عُصينا
فأنت ترى أنّ المبرد لم يأتِ بجديد في موضوع الالتفات سواء في تحديده وتسميته , أو ببيان أنواعه الأخرى, غير الالتفات من الخطاب إلى الغيبة أو العكس , أو يوضح لنا بلاغة هذا الأسلوب في الآيات القرآنية أو الأشعار التي نقلها عن أبي عبيدة والفراء.
الالتفات في فقه اللغة لابن فارس
عرض أحمد بن فارس (ت:395 هـ) الالتفات من غير أن يسميه , فذكر له نوعين فقط ؛ الأول بقوله: " باب تحويل الخطاب من الشاهد إلى الغائب " , ثم قال: " العرب تخاطب الشاهد , ثم تحوّل الخطاب إلى الغائب , كقول النابغة:
يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد
فخاطب ثم قال أقوت " (ابن فارس 1/215).
ذكر ابن فارس أمثلة لهذا النوع من الالتفات من الآيات الكريمة التي استشهد بها من سبقه كأبي عبيدة والأخفش والفراء، أما النوع الثاني فقال فيه: " باب تحويل الخطاب من الغائب إلى الشاهد " (ابن فارس 1/215). ثم ذكر أمثلة مكرورة ذكرها اللغويون والنحاة السابقون من أشعار كقول الهذلي وعنترة.
وبهذا نجد أن ما كتبه احمد بن فارس في " فقه اللغة " لم يقدم جديدا في اللغة والأدب في موضوع الالتفات، وأنه في كل ما كتبه لم يزد عن من سبقه من الأدباء في شيءٍ.
الالتفات في التبيان في إعراب القرآن و إملاء ما منَّ به الرحمن للعكبري
تناول أبو البقاء عبد الله بن الحسن العكبري (ت: 616 هـ) الالتفات في كتابيه السابقين، وسيتناول الباحث كلا من الكتابين على حدة – إن شاء الله -.أولا: الالتفات في " التبيان في إعراب القرآن "
 هذا الكتاب – كما يدل من عنوانه – في إعراب الجمل والآيات القرآنية، وقد تحدث صاحبه عن الالتفات في مواطنه وفيما تكون علاقة بين الالتفات وحالة الإعراب في الجملة أو الكلمة.
والملاحظ أنّ المؤلف قد اقتصر على نوعين من أنواع الالتفات ؛ وهما الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة. كما أنه سمّى هذا الأسلوب " رجوعا " يقول العكبري عند تفسير سورة الفاتحة:" فإن قيل: إيّاك خطاب، والحمد لله على لفظ الغيبة، فكان الأشبه أن يكون إياه، قيل عادة العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة، وسيمر بك من ذلك مقدار صالح في القرآن " (العكبري، التبيان: 1/7).
وهذا يدل على أن هذا الأسلوب يقتصر عنده على الرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة، والعكبري يذكر القراءات الواردة في الآيات، ويوجه كل قراءة توجيها نحويا، وإذا كان فيها تغير في الضمائر ذكره ؛ فحينما فسر قوله تعالى) قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين ((آل عمران / 9) قال: ") يرونهم (ويقرأ في المشهور بالياء، فأما القراءة بالتاء فلان أول الآية خطاب. وموضع الآية على هذا – يقصد قوله ترونهم – يجوز أن يكون نعت صفة لفئتين، أن فيها ضميرا يرجع عليها ويجوز أن يكو ن حالا من الكاف في لكم.... وأما القراءة بالياء فيجوز أن يكون في معنى التاء ، إلى انه رجع من الخطاب في الغيبة والمعنى واحد "(العكبري، التبيان: 1/243).
وبهذا يتبين أن العكبري عد الالتفات من الخطاب إلى الغيبة حاصلا على قراءة الياء) يرونهم } ، وأما قراءة التاء)ترونهم (فلا التفات فيها.
وقد يكون الالتفات مرتبطا بتصريف الفعل في الجملة وإعرابها كما في قوله تعالى ") قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فان الله لا يحب الكافرين }
(آل عمران / 32) ، يقول العكبري: " قوله تعالى)فإن تولوا (يجوز أن يكون خطابا، فتكون التاء محذوفة ؛ أي فإن تتولوا، وهو خطاب كالذي قبله ويجوز أن يكون للغيبة فيكون لفظه لفظ الماضي " (العكبري، التبيان: 1/253). فيكون رجوعا من الخطاب في أول الآية) أطيعوا (إلى الغيبة بقوله:) فإن تولوا (؛ إذا فاعتبار الفعل) تولوا (أهو مضارع أو ماض هو الذي جعل أبا البقاء يعتبر الأسلوب غيبة أو خطابا ؛ ومن ثم سيكون التفاتا أمْ لا.
ولم يبين العكبري شيئا من بلاغة الالتفات في المواطن التي ذكرها ؛ فعند قوله تعالى:)ألم يروا كم أهلكنها من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ((الأنعام / 6) يعلق أبو البقاء بقوله: ") ما لم نمكّنْ لكم (رجع من الغيبة في قوله) ألم يروا (إلى الخطاب في) لكم (, ولو قال لهم لكان جائزا " (العكبري، التبيان: 1/48), ولم يذكر العكبري السر في هذا الرجوع من الغيبة إلى الخطاب , كرفع الإشكال والتوهم من الضمائر المتشابهة في الآية مثلا . ويكتفى بهذا القدر من دراسة كتاب " التبيان في إعراب القرآن ".
ثانيا : الالتفات في " إملاء ما منَّ به الرحمن "إنّ أسلوب العكبري في كتابه " إملاء ما منَّ به الرحمن " في تناول الالتفات لا يختلف عن أسلوبه في كتابه السابق " التبيان" , بلْ إنّ عباراتٍ كثيرة ذكرها في " التبيان" كررها نفسها في " الإملاء" ؛ فما ذكره عن الالتفات عند إعرابه لسورة الفاتحة هو تكريرٌ لما ذكره في التبيان (العكبري، إملاء ما منّ به الرحمن: 1/4).
ولم يتعرض العكبري للالتفات من الغيبة إلى التكلّم أو العكس إلا في موضع واحدٍ ؛ وذلك عند إعرابه لقوله تعالى:) سبحانَ الذي أسرى بعبدهِ ليلا منْ المسجدِ الحرام إلى المسجدِ الأقْصى الذي باركْنا حوله لنُرِيَهُ منْ آياتِنا إنّهُ هوَ السميعً البصيرُ ((الإسراء / 1) حيثُ قالَ فيها: ") لنريه(بالنون لأن الذي قبلهُ إخبارٌ عن المتكلم , وبالياء لأنّ أول السورة على الغيبة,
وكذلك خاتمة الآية , وقد بدأ في الآية بالغيبة وختم بها , ثمّ رجعَ في وسطها إلى الإخبار عن النفس فقال) باركنا (و { من آياتنا(والهاء في) إنّه(لله تعالى " (العكبري، إملاء ما منّ به الرحمن: 2/46).
ونلاحظ أنّ أبا البقاء تبعا لموضوع كتابه وهو إعراب القرآن لم يفصل أو يتحدّث عن الأسرار للبلاغية للرجوع - كما يسمي الالتفات - بكل أنواعه.
وعل كلٍ فإنّ جهود العكبري كنحوي في دراسة الالتفات يشكر عليها, وإنْ كانت لم تتبلور وتوضح كما تبلورت وتوضحت عند البلاغيين كابن المعتز وأسامة بن المنقذ وابن الأثير وغيرهم 
خصائص دراسات اللغويين والنحاة لموضوع الالتفات
من خلال استعراض جهود أشهر اللغويين والنحاة الذين تعرضوا لدراسة الالتفات في كتبهم اللغوية والنحوية تبيّنت عدة صفات تميّزتْ دراستهم بها , وهي:أولا : لم يذكر أحدٌ منْ اللغويين أو النحاة الالتفات باسمه في أي من كتبهم , وكانوا يطلقون عليه الرجوع أو التحويل أو الترك , ولم يكونوا يحددونه أو يُعرّفونه كما هو الحال عند البلاغيين.
ثانيا : لم يتعمّقْ أي من اللغويين أو النحاة في دراسة الالتفات في كتبهم , وإنّما كان حديثهم عنه إشاراتٍ مجملة ولمحاتٍ قصيرة , وكانت دراستهم أو تعرضهم له تبعا لدراستهم اللغوية أو النحوية , أو لتوجيه القراءات في الآيات الكريمة التي يتعرضون لها في أبحاثهم.
ثالثا : أغلب النحاة واللغويين لم يذكروا إلا نوعين من أنواع الالتفات في كتبهم؛ وهما الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة
الهوامش والمراجع
1. ص146.
2. البشام شجر ذو ساق وأفنان(أبو هلال العسكري, كتاب الصناعتين ص:438).
3. ذو الأراك مكان ينبت فيه شجر الأراك , والأيك الشجر الملتف, والغلل المكان الخصيب الذي يجود بالغلة , المرجع السابق.
4. المرجع السابق.
5. د. علي زايد, " البلاغة العربية ؛ آثارها ومصادرها ومناهجها. ص 32 , مكتبة الشباب.
6. ديوان عنترة: ص 187 - 188 , وانظر أبو عبيدة:1/28-29.
7. أبو عبيدة: 1/ 28- 29.
8. ديوان كثيّر عزة , ص 101 , وهو من شواهد الفراء (1/ 441).
9. مضى تخريجه.
10. للمنيخس الأعرجي, وينسب لرؤبة (الفراء 1/130) , وانظر (أبو عبيدة 2/71و 76).
11. ابن قتيبة ص ص 213-229.
المراجع
1. القرآن الكريم.
2.الأخفش الأوسط (1981م), معاني القرآن , تحقيق د. فائز فارس.
3. ابن أبي الإصبع, المصري (1957 م), بديع القرآن, مصر, مكتبة نهضة مصر.
4.البغدادي, أبو طاهر محمد بن حيدر (1983م) , قانون البلاغة, تحقيق د. محسن غياض, بيروت, مؤسسة الرسالة.
6.الحموي, ياقوت (1957م), بيروت, دار بيروت للطباعة والنشر.
7. أبو حيان (د.ت), الأندلسي(د.ت), البحر المحيط, بيروت , دار الفكر.
8. ابن خلكان(د.ت), وفيات الأعيان, القاهرة, مكتبة النهضة المصرية.
9. زايد(د.ت), علي, البلاغة العربية؛ تاريخها ومصادرها ومناهجها, مكتبة الشباب.
10. الزركشي, بدر الدين محمد بن عبد الله(1980 م), البرهان في علوم القرآن, بيروت, دار المعرفة.
11. الزركلي, خير الدين (1985 م), الأعلام, الطبعة السادسة, بيروت, دار العلم للملايين.
12.السبكي, بهاء الدين (د.ت) , عروس الأفراح , ضمن شروح التلخيص , مصر , مطبعة عيسى البابي الحلبي وأولاده.
13.السيوطي, جلال الدين(د.ت), بغية الوعاة, بيروت, المكتبة العصرية
14.أبو عبيدة , معمر بن المثنى (1954 م) , مجاز القرآن , تعليق فؤاد سيزكين , مصر ,الناشر محمد أمين الخانجي.
15 العسكري,أبو هلال (1984م),كتاب الصناعتين, بيروت,دار الكتب العلمية
16. العكبري, أبو البقاء عبد الله بن الحسين (د.ت) , إملاء ما منّ به الرحمن , مصر , مطبعة التقدم العلمية.
17. العكبري, أبو البقاء عبد الله بن الحسين (د.ت), التبيان في إعراب القرآن, تحقيق علي محمد البجاوي, مصر, مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
18. ابن فارس, أحمد (د.ت) , فقه اللغة , بيروت , دار الكتب العلمية.
19. الفراء (1980 م) , معاني القرآن , بيروت , عالم الكتب.
20. ابن قتيبة الدينوري (1954 م), تأويل مشكل القرآن , تحقيق أحمد صقر, مصر, دار إحياء الكتب العربية.
21 كحالة, عمر(د.ت),معجم المؤلفين, بيروت, دار إحياء التراث العربي.
22. المبرد, محمد بن يزيد(1986 م), الكامل في اللغة والأدب , تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم , مصر , دار نهضة مصر.
23. المدني, صدر الدين بن معصوم (1968 م) , أنوار الربيع في أنواع البديع , النجف الأشرف , مطبعة النعمان.













About the Author

RIZAL RIZLA

Author & Editor

Has laoreet percipitur ad. Vide interesset in mei, no his legimus verterem. Et nostrum imperdiet appellantur usu, mnesarchum referrentur id vim.

0 komentar:

Post a Comment


iklan

 

Copyright © Berbagi Menuju Lebih Baik. All rights reserved. Template by CB Blogger & Templateism.com